عبدالله بخاري يكتب : المطرة لها كاره ومحب
الكاتب /عبدالله بخاري
المطرة لها كاره ومحب
(مثل كان يتردد على لسان الوالد كثيرًا)
اليوم: الاثنين
التاريخ: 27 رمضان 1447هـ
الموافق: 16 مارس 2026م
من الأمثال الشعبية التي بقيت عالقة في الذاكرة، وتتردد أصداؤها كلما تغيّرت أحوال الناس واختلفت مصالحهم، مثلٌ كنت أسمعه كثيرًا من الوالد رحمة الله عز وجل عليه، وهو قوله:
“المطرة لها كاره ومحب.”
وهذا مثل بسيط في لفظه، عميق في معناه، لأنه لا يتحدث عن المطر وحده، بل يصف طبيعة الحياة نفسها، واختلاف الناس في النظر إلى الأمور.
فالمطر في أصله رحمة من الله، وبه تحيا الأرض بعد موتها، وتنبت المراعي، وتمتلئ الأودية، وتفرح به القلوب قبل الأرض. غير أن التجربة التي عاشها الناس عبر السنين، خاصة في البيئات الزراعية والبدوية، جعلتهم يدركون أن المطر – على خيره وبركته – ليس محبوبًا عند الجميع في كل وقت.
فالمزارع الذي ينتظر سقي أرضه قد يفرح بالمطر لأنه يغني زرعه ويخفف عنه مؤونة السقي، والراعي يستبشر به لأنه يبشر بخصب المرعى وكثرة العشب. وفي المقابل قد يقلق منه من كان في أعمال تحتاج إلى صفاء الجو واستقراره، أو من كان في مرحلة من مراحل العناية بالزرع أو النخل لا يناسبها هطول المطر.
ولهذا جاءت الحكمة الشعبية الصادقة التي لخصت هذه التجربة بعبارة موجزة فقالت:
المطرة لها كاره ومحب.
ولم يبق هذا المثل محصورًا في الحديث عن المطر فقط، بل اتسع استعماله حتى صار يقال في كثير من شؤون الحياة؛ فكم من أمرٍ يفرح به قوم ويتضرر منه آخرون، وكم من حادثة يراها بعض الناس خيرًا بينما يراها غيرهم عبئًا أو مشقة.
وهنا يظهر عمق المثل؛ فهو يعلّم الإنسان أن الحياة لا تُقاس بميزان واحد، وأن الناس تختلف ظروفهم وأحوالهم ومصالحهم، ولذلك تختلف نظرتهم إلى الحدث الواحد.
ولعل ما يجعل هذا المثل قريبًا إلى النفس أن قائله الأول ليس شخصًا بعينه، بل هو خلاصة تجربة مجتمع كامل عاش مع المطر، ومع الأرض، ومع الزرع، ومع تقلبات المواسم. ولهذا بقي حيًّا على ألسنة الناس جيلاً بعد جيل.
وكلما سمعت هذا المثل تذكرت الوالد رحمه الله وهو يردده في مواقف متعددة من الحديث عن الناس وأحوالهم، وكأنه يذكّر بأن الحكمة ليست في أن يرى الإنسان الأمور من زاويته وحدها، بل أن يدرك أن ما يراه خيرًا قد يراه غيره على وجه مختلف.
وهكذا تبقى الأمثال الشعبية جزءًا من الذاكرة الثقافية للمجتمع، تختصر تجارب طويلة بكلمات قليلة، لكنها تحمل معاني كبيرة، ومن أجملها هذا المثل الصادق في وصفه:
المطرة لها كاره ومحب.
الخلاصة:
هذا المثل الشعبي يقرر حقيقة إنسانية ثابتة، وهي أن الأشياء لا ينظر إليها الناس نظرة واحدة، وأن الحدث الواحد قد يحمل الفرح لفئة، ويحمل المشقة لغيرها، ولذلك بقي هذا المثل حيًّا في الذاكرة الشعبية لأنه يعبر بصدق عن اختلاف المصالح وتباين أحوال البشر.
✍️ عبدالله عبدالهادي بخاري
إعلامي وكاتب صحفي
شعار: المدينة عشق


.jpg)








.jpg)







































