حين يبكي الحجر ويصبر الإنسان
بقلم: حارث بن علي العسيري
قال الله تعالى:
«وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ» (البقرة: 155)
وقال رسول الله ﷺ:
«عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحدٍ إلا للمؤمن؛ إن أصابته سراء شكر، وإن أصابته ضراء صبر، فكان خيرًا له» (رواه مسلم).
في غزة، لا شيء يشبه الحياة سوى اسمها.
البيوت هناك تتنفس غبارها، والأبواب تنظر إلى السماء كمن يسأل: متى يأتي الأمان؟
في كل شارعٍ قصة، وفي كل حجرٍ دمعة.
حجرٌ كان جدارَ بيتٍ، صار شاهدًا على طفلٍ ينام بلا أمٍّ ولا أب،
وحجرٌ آخر سقط على صدر رجلٍ فقد كل شيءٍ إلا تسبيحه: الحمد لله.
في غزة… الحمد لله تُقال والدمع يسيل.
تُقال في المقابر، وفي زوايا المستشفيات، وعلى أنقاض المدارس.
تُقال لا لأنها عادة، بل لأنها إيمانٌ متجذّر يعلو فوق الألم،
كما تعلو الأرواح حين تضيق بها الأرض.
أمٌّ هناك تمسك بقطعة قماشٍ من ثوب ابنها الشهيد، تشمّها كأنها رائحة الجنة.
تجلس على الأرض وتهدهد الهواء كأنه طفلها، وتقول: "نام يا بني، فالله لا ينام."
عينها لم تجفّ منذ شهور، لكنها ما زالت تبصر النور في آخر الآية:
«وبشّر الصابرين».
وفي ركنٍ آخر، أبٌ يدفن أبناءه بيديه، لا يجد من يعينه، فكلُ مشغول بأهواله الجسام ،ولا يسمع إلا نداء المؤذن: الله أكبر.
يرفع رأسه إلى السماء، فيقول في صمتٍ مهيب: "اللهم تقبّلهم؛ كانوا أمانةً عندي فعادوا إليك."
ثم يبتسم — نعم يبتسم — لأن الإيمان هناك ليس قولًا، بل عيشٌ يومي في وجه المستحيل.
وفي الليل، حين يهدأ القصف، لا يهدأ الخوف.
صوت الريح في الأزقة يشبه أنين الأمهات،
وصوت المآذن كأنه ضوءٌ يبكي، يهمس للقلوب: "اثبتوا… فالله قريب."
ما بين الركام والسماء، ما زال طفلٌ يكتب بقطعة فحم على جدارٍ مهدّم:
"سنكبر يا الله… ولو تحت التراب."
وتحت الأنقاض، هناك أسرار…
فتاةٌ بثوب زفافها الأبيض، لم تذهب إلى قاعةٍ ولا إلى بيتٍ جديد،
بل وجدت نفسها تحفر بيديها بين الحجارة تُخرج زوجها من تحت الركام ليلة زواجهما.
كانت تحلم أن تزفّ له بالضحكات، فزفّته إلى الله بالدموع.
وفي زاويةٍ أخرى، شابٌ يجرّ بصره نحو ثوبٍ أبيضٍ مغطّى بالتراب،
كانت تلك زوجته التي ودّعها قبل ساعاتٍ بابتسامةٍ خجولة.
وقف أمامها مذهولًا لا يبكي، لا يتكلم،
يهمس: "قلتِ لي سنبني بيتنا هنا… فهدموه قبل أن نبنيه."
وهنالك طفلٌ كان يحلم أن يكون طبيبًا،
يرسم على جدار بيته سماعةً بيده الصغيرة،
لكنه الآن يضع يده على صدر أمه البارد…
ويسألها كمن لا يعرف معنى الموت:
"ماما، هل الطبيب الذي في السماء سيشفيك؟"
وفتاةٌ كانت تحلم أن تصبح مهندسة،
تخطط لمدينةٍ خضراء تُعيد الفرح إلى الناس،
لكنها رحلت قبل أن تنتهي من رسمها،
ليبقى بين الأنقاض دفترٌ مفتوحٌ على سطرٍ كتبته آخر مرة:
"سنبنيها من جديد يا الله."
تحت الأنقاض هناك أسرار لا تُقال،
وأحلام لم تكتمل، وقلوبٌ ما زالت تنبض باسم الله حتى آخر رمق.
هناك يتعلم الإنسان أن الصبر ليس احتمال الوجع، بل الإيمان أن الله يرى.
غزة يا الله… لا تطلب النصر، بل الرحمة.
لا تطلب القوة، بل الأمان.
يا رب، إنها أرضٌ يُولَد فيها الأطفال وفي أيديهم مفاتيح الصبر.
أرضٌ تُصلّي وهي تنزف، وتُسبّح وهي تُقصف، وتبتسم رغم أن الوجع لا ينام.
اللهم اجبر كسر قلوبهم، وكن لهم حين تخذلهم الدنيا،
اللهم إنهم لا يسألون إلا وجهك، ولا يرجون إلا رحمتك،
اللهم ارفع عنهم البلاء، واشفِ جرحهم، وآوِ يتيمهم،
واهدِ قلوبنا لنصرتهم بالدعاء والعمل.
يا رب، إن كان في السماء دمعة، فأنزلها على غزة مطرَ رحمة،
وإن كان في خزائنك فرجٌ، فابعثه عاجلًا إليهم،
واجعل حجارتهم نورًا، وصبرهم شفاعة، وليلهم فجرًا يخرج من رحم الحزن إلى ضوء الأمان.
غزة يا وجع الأمة،
ما ضاعت أرضٌ ما دام فيها من يقول: حسبنا الله ونعم الوكيل.
وما خابت أمةٌ ما دام فيها من يُصلّي تحت النار ويقول: يا الله، نحن بخير ما دمت معنا.






.jpg)
.jpg)

.jpg)







































