تقرير رحلة ميدانية إلى ينبع النخل
التاريخ: السبت 15 نوفمبر 2025م الموافق 24 ربيع الآخر 1447هـ
الكاتب / عبدالله بخاري
كانت بداية رحلتنا في صباح يومٍ بارد لطيف عقب ليلة ممطرة تركت أثرها على الأرض والهواء والطبيعة، واجتمعنا على وجبة الإفطار في منطقة السدارة بين ربوع الطبيعة ورائحة المطر العالقة في وجه المكان، فكان الإفطار بسيطًا في محتواه، لكنه غنيًّا بروح الصحبة والمودة، ومن هناك بدأت حكاية يوم ميداني مختلف باتجاه ينبع النخل.
تحرّكنا بعد الإفطار نحو ينبع النخل، تلك الواحة التاريخية التي امتزج فيها الإنسان بالماء والنخيل، والتي ارتبطت بالعيون الجارية والزراعة والحياة المستقرة عبر قرون طويلة. وللمكان خصوصية وجدانية بالنسبة لي، إذ إن والدي رحمه الله عاش في ينبع النخل قبل ما يقارب ستين عامًا، في زمن كانت فيه العيون دائمة الجريان، والنخيل كثيفًا حتى بدا المكان وكأنه غابة ممتدة، فيما كانت ينبع البحر مجرد قرية صغيرة للصيادين، بسيطة في عمرانها ومحدودة في مواردها.
كانت أولى محطات الزيارة المطل المطل على الوادي، وهناك ظهرت معالم المكان واضحة؛ نخيل قديم، مزارع خامدة لكنها تحمل ذاكرة حياة، وبقايا بيوت طينية قاومت الزمن بصمت يحكي أكثر مما يكتب.
ثم واصلنا باتجاه العيون القديمة في المنطقة، فوجدنا أن أغلبها توقف عن الجريان أو ضعف بشكل كبير، بينما بقيت عين الفُجّة وعين الجابرية شاهدة على ما تبقى من ماء كان في يومٍ من الأيام شريان الحياة هنا.
بعد ذلك توجهنا نحو السوق القديم في السويق، وهناك كان اللقاء الأول مع أحد أقدم تجار السوق، رجل تجاوز عمر خبرته التجارية أكثر من خمسين عامًا في تجارة الخردوات ولوازم البيوت القديمة. تحدّث بثقة وذكريات جميلة عن السوق عندما كان يعج بالناس، وكيف كانت التجارة تعتمد على الكلمة والنية قبل الميزان والقيمة، وعن أصناف كانت تباع ثم اندثرت، وأخرى بقيت شاهدة على روح المكان.
ثم واصلنا اللقاءات فاستوقفنا أحد أبناء ينبع الكرام من قبيلة جهينة العريقة، الذي تحدّث بفصاحة واعتزاز عن تاريخ ينبع الزراعي، وعن العيون الدائمة، ومواسم التمور والحبوب، وأنظمة الري القديمة، وكيف كانت الزراعة هي الحياة والهوية والاقتصاد قبل أن تتغير الظروف وتخفت موارد الماء.
ومع نهاية الجولة بدت ينبع النخل أمامنا ليست أرضًا أو واديًا فقط، بل ذاكرة محفوظة، وتاريخ ممتد، وصورة من زمنٍ جميل عاش فيه الناس ببساطة واحترام للأرض والماء والنخلة واللقمة.
وتبقى ينبع النخل، رغم تغيّر ملامحها، شاهدة على مرحلة مهمة من تاريخ المنطقة الغربية في المملكة العربية السعودية، مكانًا يستحق التوثيق والزيارة والاهتمام، لما يحمله من قيمة إنسانية وحضارية لا تُقاس بالمباني بل بالذاكرة.
إعداد وكتابة:
عبدالله عبدالهادي بخاري
مسؤول العلاقات العامة والتسويق والإعلان – صحيفة شبكة نادي الصحافة الإلكترونية
المدينة المنورة
الاثنين 17 نوفمبر 2025م الموافق 26 جمادى الآخر





.jpg)
.jpg)





.jpg)

.jpg)
.jpg)








































