بوابة نظام الدولية 

الخميس, 06 نوفمبر 2025 08:47 مساءً 0 183 0
الفاشر من كسوة الكعبة إلى محراب الصبر ...
الفاشر من كسوة الكعبة إلى محراب الصبر ...

الفاشر من كسوة الكعبة إلى محراب الصبر ...

بقلم: حارث بن علي العسيري

 قال الله تعالى:

«وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ» (الأنبياء: 35)

وقال رسول الله ﷺ:

«الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمٰنُ، ارْحَمُوا مَنْ فِي الْأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ» (رواه الترمذي)

 

في أقصى غرب السودان، عند تخوم الرمال والسماء، تبكي الفاشر.

مدينةٌ صغيرةٌ منسية، يعلوها الغبار ويغمرها الحنين، كانت يومًا منارة علمٍ وكرمٍ وضياء، وأضحت اليوم تصحو على أصوات الجوع والأنين.

أطفالها الذين كانوا يملؤون الكتاتيب حفظًا للقرآن، صاروا يمدّون أكفّهم إلى السماء يسألون رحمة الله لا رغيف الخبز.

السماء نفسها تمطر كأنها تبكي عنّا، عنّا نحن الذين سمعنا النداء ولم نُجب، رأينا الدمع ولم نكفّه، تركنا الفاشر وحدها تواجه البلاء، وتذكّرنا نحن قول الله: «وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير».

 

لم تكن الفاشر دائمًا فقيرة، فقد كانت منبعًا للكرم والإيمان، ومن هذه الأرض خرج السلطان علي دينار، سلطان دارفور، الذي أحبّ الحرمين الشريفين حبًّا خالصًا، فأنفق من ماله على خدمة الحجاج، وأعاد إحياء آبارٍ عند ميقات ذي الحليفة حتى عُرفت باسم «أبيار علي».

وكانت دارفور في تاريخها ترسل محملها إلى مكة المكرمة، تحمل معها الدعاء والذهب والكسوة، وتقدّم ما استطاعت من خيرٍ وكرم.

وقد تناقلت الألسن أنّها أرسلت كسوة الكعبة في بعض الأعوام القديمة، وإن كان التاريخ يُثبِت أنّ صناعة الكسوة كانت في مصر ثم في مكة، إلا أنّ دارفور ظلّت شريكةً في النية والنية عند الله أعظم من الفعل.

كانوا هناك، عند أطراف الأرض، لا يملكون إلا القلوب… فأرسلوا بها حبًّا إلى بيت الله، فهل نملك نحن اليوم شيئًا سوى أن نُرسل دموعنا ودعاءنا لهم؟

 

الفاشر تبكي، ولكن بكاءها طاهرٌ كوضوء الفجر، يشقّ السماء رجاءً لا يأسًا.

كل حجرٍ فيها يشهد أنّها أرض طيبة لم تجحد نعمة الله، بل صبرت حين ضاقت السبل.

وكل أمٍّ فيها ترفع بيدها المضمّخة بالتراب رغيفًا صغيرًا لطفلها وتقول: الحمد لله… الحمد لله الذي ما زال يرزقنا القدرة على الحمد.

أُناسٌ فقدوا كل شيءٍ إلا الإيمان، فأصبحوا أغنى من كثيرٍ ممّن حولهم.

هناك، حيث تتناثر خيام النزوح، يبيت بعضهم على الأرض، لكن قلوبهم ما زالت معلّقة بالسماء، تنادي: "اللهمّ لا تُؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا."

 

قال الحسن البصري: «إذا رأيت البلاء ينزل فاعلم أن الله أراد أن يذكّرك؛ فارجع إليه قبل أن يذكّرك بالمصيبة الكبرى.»

وما البلاء إلا رسالة، يوقظ الله بها الغافلين، ويطهّر بها الصادقين، ويقوّي بها الضعفاء حتى يُصبحوا أولياءه في الأرض.

 

يا الله… كم أنت رحيم!

تبتلي الأرض كي ترفع عنها، وتكسر القلوب كي تدخلها بنورك.

الفاشر يا رب ليست مجرد مدينة، إنها قلبٌ من قلوب الأمة، نزفَ حبًّا وصبرًا، فلا تُمسِك عنها رحمتك.

اللهم اجعل دمعها مطرًا، وجوعها شبعًا، وخوفها أمنًا، وضعفها قوّةً بك.

اللهم إنّ أرضًا خرج منها من سقى نبيك وزوّارك، ومن أرسل كسوة بيتك حبًّا ووفاءً، لا تظمأ أبدًا.

أمطرها رحمة، وارزقها أمنًا وإيمانًا، وسلامًا وأمانًا، وابعث في أهلها من جديدٍ روح الكرم القديم، ليعودوا كما كانوا… منبعًا للخير ونورًا في ليل الأمة.

هو

يا ربّ… لا تتركنا نرى بكاءهم ولا نبكي، ولا نسمع أنينهم ولا ندعو، ولا نقرأ أخبارهم ثم نغفو، بل اجعل قلوبنا لهم وطنًا، وأيدينا لهم مددًا، وألسنتنا لهم دعاءً لا ينقطع.

إنّك على كل شيء قدير، وبيدك وحدك مفاتيح الفرج بعد الضيق، والنور بعد الظلمة، والبسمة بعد الدمع.

سجل معنا أو سجل دخولك حتى تتمكن من تسجيل اعجابك بالخبر
الفاشر من كسوة الكعبة إلى محراب الصبر ...

محرر الخبر

جمعه الخياط
المدير العام
رئيس مجلس ادارة بوابة نظام الالكترونية، محلل سياسي واجتماعي وصحي

شارك وارسل تعليق

سجل معنا أو سجل دخولك حتى تتمكن من إرسال تعليقك

بلوك المقالات

الفيديوهات

الصور

بوابة نظام الدولية 

بوابة نظام الدولية ابة نظام الدولية 

أخر ردود الزوار

الكاريكاتير

أخبار الدوري المصري

استمع الافضل

آراء الكتاب

آراء الكتاب 2