التأسيس… حكاية مجدٍ يتجدد عبر القرون
بقلم: عيد راشد الرفاعي
في كل عام، ومع إشراقة يوم الثاني والعشرين من فبراير، نستحضر ذكرى يوم التأسيس، تلك المناسبة الوطنية التي تؤرخ لبداية الدولة الراسخة، يوم أن بزغ فجر الدولة السعودية الأولى على يد الإمام محمد بن سعود عام 1727م في الدرعية، لتبدأ مسيرة دولةٍ قامت على التوحيد، واستمدت من العقيدة قوتها، ومن القيم أصالتها، ومن الشعب وفاءه والتفافه حول قيادته.
لم يكن التأسيس حدثاً سياسياً عابراً، بل كان تحولاً حضارياً عميقاً، أعاد صياغة واقع الجزيرة العربية بعد عقود من التفرق والنزاعات. لقد جاء التحالف التاريخي بين الإمام محمد بن سعود والشيخ محمد بن عبد الوهاب ليؤسس قاعدة راسخة لدولةٍ قوامها التوحيد الخالص، ومنهجها الكتاب والسنة، وغايتها جمع الكلمة وتوحيد الصف.
التوحيد… الأساس الذي قامت عليه الدولة
إن الحديث عن التأسيس هو في جوهره حديث عن التوحيد. فالتوحيد لم يكن شعاراً يُرفع، بل عقيدة تُعاش، ونظاماً يحكم، ومنهجاً يضبط شؤون الحياة. لقد شكلت “لا إله إلا الله محمد رسول الله” العمود الفقري للدولة الناشئة، فتوحدت القلوب قبل أن تتوحد الجغرافيا، واجتمعت الكلمة قبل أن تستتب السلطة.
ومن رحم هذه العقيدة وُلد الأمن، واستقرت الأحوال، وانطلقت مسيرة العلم والقضاء والإصلاح. كان التوحيد سبباً في إنهاء مظاهر الفوضى والاقتتال، وبداية عهدٍ من الاستقرار الذي أرسى دعائم مجتمعٍ متماسك، يعرف واجباته كما يعرف حقوقه.
الدرعية… مهد الدولة وميلاد الحلم
في الدرعية كانت البداية. من تلك الأرض المباركة انطلقت الرسالة، وتكوّن الكيان، وتحددت الملامح الأولى لدولةٍ ستصبح لاحقاً واحدة من أكثر الدول تأثيراً واستقراراً في المنطقة. لم تكن الدرعية مجرد عاصمة، بل كانت رمزاً لفكرة الدولة القائمة على الشرعية الدينية والوحدة السياسية.
لقد أدرك الإمام محمد بن سعود أن بقاء الدولة مرهونٌ بثباتها على مبادئها، فحمل مسؤولية القيادة بروح القائد المؤمن برسالته، وسانده العلماء والدعاة، فكان التلاحم بين القيادة والعلم ركيزة أساسية في نجاح التجربة.
امتداد المسيرة حتى قيام المملكة
تعرضت الدولة السعودية الأولى لتحديات جسام، لكنها لم تمت؛ لأن الفكرة التي قامت عليها كانت أعمق من أن تُمحى. فكان قيام الدولة السعودية الثانية، ثم توّجت المسيرة بتأسيس المملكة العربية السعودية على يد الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود عام 1932م، لتعود راية التوحيد مرفوعة خفاقة فوق وطنٍ موحد.
ومنذ ذلك الحين، والدولة تمضي في مسار التنمية والبناء، محافظةً على جذورها العقدية، ومتمسكةً بثوابتها الشرعية، مستلهمةً من تاريخها دروس الصبر والعزم، ومن عقيدتها قوة الثبات.
راية التوحيد… هوية وطن
ليست علم المملكة العربية السعودية مجرد علمٍ يُرفع في المناسبات، بل هي راية عقيدة، ودستور أمة، وشهادة إيمان. إن وجود كلمة التوحيد على العلم يعكس هوية الدولة ومرجعيتها، ويجعل من الحفاظ عليها مسؤولية دينية قبل أن تكون وطنية.
لقد ظل التلاحم بين الشعب وقيادته سمةً بارزة في تاريخ المملكة، فكانت العلاقة قائمة على البيعة والولاء، وعلى السمع والطاعة في المعروف، وعلى المشاركة في البناء والتنمية. ومن هنا جاءت قوة الدولة؛ من وحدة صفها، ومن رسوخ مبادئها.
التأسيس… مسؤولية الأجيال
إن يوم التأسيس ليس مجرد استذكار للماضي، بل هو استحضار لمعنى الانتماء، وتجديد للعهد مع الوطن. هو رسالة للأحفاد بأن ما ينعمون به اليوم من أمنٍ واستقرار هو ثمرة جهدٍ وتضحياتٍ امتدت لقرون.
التوحيد الذي قامت عليه الدولة يجب أن يبقى حاضراً في سلوكنا، في أخلاقنا، في أعمالنا، وفي إخلاصنا لوطننا. فكما وحّد التوحيد القلوب في البدايات، ينبغي أن يوحدها اليوم في مواجهة التحديات، وأن يكون أساس نهضتنا ومستقبلنا.
دام الوطن عزيزاً موحداً، في ظل قيادته الرشيدة، وتحت راية التوحيد عاليةً خفاقة، تحفظ الدين، وتصون الأرض، وتجمع الشمل.
حفظ الله المملكة قيادةً وشعباً، ورحم الله الأئمة المؤسسين ومن سلف، وأدام على بلادنا نعمة الأمن والإيمان.








.jpg)


.jpg)
.jpg)






































